اخر الاخبار
أخبار المركز
المتواجدون حاليا
حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع


كلمة السيد وزير الثقافة

الدكتور رياض نعسان أغا

سورية وإنجازها الحضاري والثقافي




إن موقع سورية بين البحر المتوسط ، وبلاد الرافدين ، وآسيا الصغرى وشبه الجزيرة العربية ، جعلها منذ عصور ماقبل التاريخ ملتقى لمناطق طبيعية وحضارية وثقافية وفكرية وفنية متطورة ، وشكلت سورية بذلك منطقة تلاقي وعبور لأكثر وأهم الأفكار والإبداعات والمبتكرات العالمية ، وكانت على الدوام تشع بتطوراتها الذاتية على مناطق المشرق القديم ، وتؤثر بقوة وفاعلية وحيوية على مسارها الحضاري .

سورية عبر التاريخ ، كانت واعية لوظيفتها الحضارية والفكرية والثقافية ، لذلك تعد هذه الوظيفة أبرز سمات التطور الحضاري السوري ، وتجعل من الارث الحضاري لسورية ارثا إنسانيا متنوعا متعدد الوجوه ، سماته الأساسية الانفتاح على الأخر ، والتسامح وتلاقي الأفكار وتبادل المعرفة والعلوم والثقافات .

سورية كانت منذ القدم مسرحا كبيرا لتطور الابتكارات والاستقرار على ضفاف الأنهار الكبرى ، في النهر الكبير الشمالي ، وحوض العاصي ونهر الفرات والخابور والبادية السورية ، وفي أرضها كانت بدايات الثقافة ”الآشولية“ وبدايات تشكل القرية والزراعة وتدجين الحيوانات والمسكن الدائري الأول ، وتبادل المنتجات الزراعية وصناعة الفخار وتشكيل المعادن وصناعة البرونز ، وبدايات التفكير بالعبادات الأولى والمعتقدات الدينية التي تقدس عبادة الأجداد ، وتعطي للمرأة المكانة الأولى في المجتمع ...

وفي أرضها كانت بدايات تشكل المدن الكبرى في ماري ”تل الحريري“وإيبلا ”تل المريخ“ وأوغاريت ”رأس الشمرا“ ومسكنة

”إيمار - بالس“ وتل ليلان وتل العشارة ، وتل براك في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد ، وممالك الحضارة الآرامية التي أغنت الحضارة الإنسانية بنشاطها التجاري والفكري والإنساني لمدة تزيد عن الألف سنة ، وكانت ممالكها الشهيرة : دمشق- حماه - حمص - حلب - شمأل - عين - دارا - بيت عديني ، وغيرها منارات علم ومعرفة وفكر وحركة اقتصادية وتجارية متطورة .

كما شكلت مدنها ومناطقها في العصور الهيلينستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية طيفاّ واسعاّ ورائعاّ من الحركة والعمران والنشاطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية .

الحضارة في سورية سفر ولا أضخم ، إنها نهر عظيم بعض روافده منجزات الحضارة البشرية ، وبعضها الأخر إسهامها في الماضي وما قدمه أهلها من عطاءات كثيرة في العلوم والأدب والفكر والفلسفة والتجارة والصناعة ، ونحن في سورية كنا ومازلنا في حوار دائم مع التاريخ والحضارة والفعل الإنساني ، ولأن الأرض العربية السورية ، ملأى بالآثار ، وبالأدلة المادية على ذلك الازدهار الحضاري الذي عرفته على مر العصور ، فإننا في سورية يكاد حوارنا يتصل ، ويكاد التاريخ ، بما عرف عنه من رحابة صدر ، وسداد منطق ، أن يتفرغ لنا ، ويبسط صحائفه أمامنا ، جاعلين من المناطق الأثرية السورية قبلة السياح والزوار والباحثين والمؤرخين وعشاق الفن والحضارة والسياحة الثقافية ...

لقد أعطت سورية للثقافة العربية والإسلامية ، الشيء الكثير ، من منطلق الإيمان بأنها المدماك الأهم في بناء صرح الحضارة الإنسانية في مدلولاتها وعناوينها ومظاهرها المتعددة ، وكانت الثقافة عبر تاريخ طويل موغل في القدم في سورية هي التي تفيء علينا بخيراتها ، وننعم بثمراتها ، ونتمتع بالفنون التي توفرها لنا .. لقد أبحر الإنسان العربي السوري منذ القدم على زورق الحلم ، ساعياّ لأن يكون له مبتكراته وآدابه وثقافته وعلومه وفنونه وتجلياته ، فكانت أرضه منطقة حوار وتسامح وتمازج ثقافي وفكري وتجاري ، شواهدها الأثرية وأوابدها التاريخية والحضارة ، مازالت - حتى اليوم - شواهد حية وساطعة ، تحكي قصة الحضارة والتاريخ والفن الإنسان ...

وتستمر مسيرة العطاء والبناء في عصرنا الحديث والمعاصر لتشمل ميادين الثقافة المتعددة في المسارح والمراكز الثقافية والموسيقى والكتاب والآثار والمتاحف والسينما وحماية التراث المادي وغير المادي ورعاية الشباب والإبداع والمهرجانات والندوات والمؤتمرات والأسابيع الثقافية ورعاية وتكريم العلمـاء والأدباء ورجال الفكر والعلم والفن .. وكل هذا يجيء انسجاماّ مع رسالة سورية الحضارية الممتدة الجسور في أعماق التاريخ .